عفيف الدين التلمساني

88

شرح مواقف النفري

نفع ، فنفي النفع جملة كافية ، وقال في المعرفة ما بلغت معرفة من لم يقف ، أي لم تبلغ حد الكمال ، فلم يسلب عنها النفع كما سلب عن العلم ، ويفهم من مجموع هذا الكلام شيء هو في غاية الحسن ، وهو أنا إذا فهمنا أن نسبة العلم إلى المعرفة كنسبة المعرفة إلى الوقفة أن تعلم أيضا أن ذلك لا يعتبر فيه إلا العلم النافع ، وهو الذي تصحبه المعرفة . وليس في زماننا هذا إلا من ينكر المعرفة ، وفي هذا كفاية ، ولست أعني بالعالم علماء الفروع لأن أولئك لم يدخلوا في طريق ما نحن بسبيله ههنا ، إذ علمهم إنما هو بصور الأعمال إن صادفوا الحكم في علمهم ، أما إذا لم يصادفوه فهم مما لا يعتبر . قوله : ( وقال لي : العالم يرى علمه ولا يرى المعرفة ، والعارف يرى المعرفة ولا يرى الواقف ، والواقف يراني ولا يرى سواي ) . قلت : قد تقرر فيما سلف أن كل صاحب مقام لا يرى من فوقه بل من دونه . قوله : ( وقال لي : الوقفة على الذي يجير ولا يجار عليه ) . قلت : سمى الوقفة علما ونسبها إلى نفسه إعلاما أن الواقف ليس هو غيره في حكم الاستخلاف ، ومعنى قوله : « يجير » أي : إذا ضمن سلامة أحد من المؤاخذة ، وخلاصه من الرق ، أمضى حكمه بخلاف ما سواه ، فإنه ليس إذا ضمن العارف لمن دونه بل أو لنفسه ضمانا يمضي حكم ذلك الضمان لأنه ليس خليفة . قوله : ( وقال لي : الوقفة ميثاقي على كل عارف عرفه أو جهله ) . قلت : معنى عرف ذلك الميثاق أو جهله ، ومعنى ميثاقه هو معاهدته لربه تبارك وتعالى في حال الشهود أن لا يثبت له رسما مما كان الشهود قد محاه ، فهذا هو الميثاق ، وإنما قال عرف ذلك أو جهله لأنه عهد بلسان الحال لا باللفظ فمن تفطن له فإنما يتفطن له من مقام فوق مقامه ، وقد لا يتفطن له لقصوره عن مقام هو فوقه حتى يصل إليه .